السيد محمد تقي المدرسي
300
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ويضرب لذلك مثلين : الأول : عن الحياة التي هي قيمة معترف بها ، ولكن هل هي تبقى قيمة في وقت يتعرّض الانسان لآلام مبرحة ( المريض الذي لا يرجى شفاءه ) أو المعتقل الذي لو أبقى على حياته اعترف على زملاءه الذين يؤخذون ويقتلون وما أشبه فهل الحياة تبقى ذات قيمة ايضاً . الثاني : ولد الزنا هل تجب نفقته على والده باعتباره بريئاً والعدالة تقتضي عدم اخذ البريء بجريمة غيره ، أم لا ينفق عليه ، لكي لا يصبح الزنا مشروعاً فيؤثّر على نظام الأسرة . وهكذا يحصل النزاع بين أهداف متعدّدة ومتقاربة ليطرح التساؤل الذي يقتضي بحثاً عيمقاً في سلّم الأولويات في الأهداف « 1 » . ومثل ثالث معروف : هنا صراع ابدي بين قيمتي الأمن والحرية . وحدود كل واحدة منهما مما يستدعي بحثاً عميقاً في الأهداف . والبحوث العميقة لا تبقى عقيمة دائماً ، بل كثيراً ما يصل العلم فيها إلى نتائج قطعية ، بسبب تقدم العلم وإقامة ادلّة قاطعة على احدى النظريات ، وحسب باتيفول : فان بعض النتائج التي تعدّ اليوم علمياً قد تعرضت لمناقشات حادة ومضطربة ، حتى اليوم الذي برز فيه برهان قاطع على صحة إحدى التأكيدات التي كانت موضع جدل « 2 » . وهكذا ينبغي ألا يدعونا تعدد القيم ، واختلاف الناس في اختيارهم لقيمة على أخرى ، إلى ترك البحث فيها جانباً . بل إلى المزيد من الدراسة وذلك لسببين : اولًا : ان كل محاور البحوث العلمية تختلف النظريات فيها فإذا كنّا نترك كل محور مثير للاختلاف اذاً لما تقدم العلم . ثانياً : لأن القيم هي محتوى كل قانون . سواء اعترفنا بذلك أم لا . فالمدرسة الوضعية التي تزعم نسبية القوانين لا يمكنها الادعاء بان القوانين التي تشرع لا قيمة في محتوياتها . أو بتعبير آخر لا هدف لها ، بلى يمكنها ان تقول : دعنا لا نبحث عن محتواها وهذا هو رأي المدرسة الصورية التي تخالفها المدرسة الوضعية .
--> ( 1 ) - راجع المصدر . ( 2 ) - المصدر ص 78 . .